الحاج حسين الشاكري

490

علي في الكتاب والسنة والأدب

رغيف ، لأنه من جود زهدك كان طحينة وزهدت بالدنيا ، لأنك لم تر لها ظلا مقيما ولا عزا مستديما ، ورأيت أن دروبها ليست غير معابر ، ورأيت أن الانسان فيها حثيثا حثيثا إلى الموت سائر ، وأنه إلى أحضان ربه صائر ، ورأيت أن الفضائل خير حلية تجمع الانسان في دنياه ، يسلكها بتقواه ويتركها بنجواه راحة في الحياة وبلغة للممات . ورأيت أن المثالب بنت المتاعب ، تفسد المطالب ، تحتضن الأحقاد ، وتقض المضاجع . ولن يكون للإنسان فيها حقيقة مأرب ، بل هي ملجأ العقل الواهي ، ومسلك الطامع المغرور ، والجائع النهم . . . هدف صغير ، وشأو حقير ، لن تبني انسانا يعي حقيقة الوجود ، بل تبقى له مصدر قلق في سباق أليم ، ينهكه التزاحم ، ويدهدهه التحايل والتراوغ . فمددت باعك الطولي تفرض العفة في المسلك ، والصدق في المنطق ، والصراحة في الرأي ، والحق في الفصل ، والعدل في التنفيذ . . فإذا بك تمد الخوان تغنيه الفضائل ، وتزينه الشمائل ، وتطيبه التقوى ، ويشهيه الإيمان . وعجينك هو العجين المطهر ، لم تمتد إليه يد البغي بأصبع وكان المأكل منه نعم المأكل . . فيه الغذاء وفيه العزاء . فيه الرضوخ وفيه الرضا ، فيه الحب وفيه السماح ، وفيه السعي على إباء . وفيه الفكر على نبالة . وفيه يقظة الوجدان ، وفيه روعة الانسان . هذا ما تركته للدنيا من حقيقة الدنيا . فلا عجب أن تجوع الدنيا إلى صوانيك كلما غصت بموائدها ، أو تتعطش إلى مساقيك كلما غرقت في مناهلها . والدنيا إنما سغبها في تخمتها ، وإنما صداها بفيض غمرها . أما إن أطباقك كيف لا تتخم ، ومشاربك كيف لا تغرق ، فلأنك الذواق ، إذ